الهروب من نقمة الموارد الطبيعية

بقلم موريشيو فيلافويرته

يبدو عنوان هذا المقال كأنه اسم فيلم سينمائي من إنتاج هوليود ـ يحكى عن شخص فقير تتاح له فرصة للثراء فجأة، لكن لعنة شريرة تهدده بضياع كل شيء!

للأسف، ليس هذا فيلماً سينمائياً، بل هو واقع دائماً ما يتكرر في أنحاء كثيرة من العالم. فإدارة الموارد الطبيعية* وما تدره من إيرادات إضافية تمثل عبئاً ثقيلاً على كاهل كثير من البلدان النامية.

ونجد أن بعض جوانب هذه القصة “قريبة الشبه” بالفعل وكأنها حلقات في مسلسل واحد، إذ يبدو أن المعاناة التي ترتبط بإيجاد أفضل السبل لإدارة الموارد الطبيعية*، مثل النفط والغاز الطبيعي والمعادن، لا تتوقف أبداً ولا تخلو منها البلدان النامية الغنية بالموارد في أي وقت من الأوقات. ومما يدل على ذلك غزارة الدراسات المتخصصة التي تتناول ظاهرة نقمة الموارد الطبيعية (“resource curse”)، وتباين الآراء حول كيفية تنفيذ السياسة المالية وإدارة الموازنات العامة في البلدان الغنية بهذه الموارد.

“نقمة الموارد” والسياسة المالية

مع ارتفاع أسعار السلع الأولية واكتشاف احتياطيات جديدة من الموارد الطبيعية، تتاح الفرصة لكثير لعدد كبير من البلدان النامية الغنية بالموارد كي تحصل على الإيرادات التى هى فى أشد الحاجة إليها ـ والتي من شأنها المساعدة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء رأس المال البشري وسد فجوات البنية التحتية*. وقد شاركت مؤخراً مع عدد من الباحثين في إعداد دراسة جديدة* تنظر في كيفية إدارة سياسة المالية العامة لتحقيق هذه الأهداف مع تجنب الوقوع في الأخطاء التى سبق أن وقع فيها العديد من البلدان الغنية بالموارد الطبيعية فى الماضى.

والواقع أنه يتعين مراعاة الخصائص المميزة لإيرادات الموارد الطبيعية، من حيث درجة تقلبها وعدم التيقن منها وقابليتها للنفاد، عند صياغة استراتيجية لزيادة الإنفاق العام. كما أن هناك عدة مفاضلات وخيارات لا بد من مواجهتها عند تصميم أطر السياسة المالية في البلدان النامية الغنية بالموارد. وهنا تواجه كثيراً من الساسة وصناع السياسات والاقتصاديين في هذه البلدان أسئلة مهمة:

  • كيف يمكن ضمان الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي على المدى القصير؟
  • كيف يمكن تحقيق الاستدامة المالية على المدى الطويل وتوفير مدخرات كافية للأجيال القادمة مع تخصيص قدر كافٍ من الموارد لتلبية الاحتياجات الحالية لعملية التنمية؟
  • كيف تعالَج القيود المتعلقة بالطاقة الاستيعابية والتي يمكن أن تؤثر على جودة الإنفاق الإضافي ومدى فعاليته؟

وقد أثرت الدراسات النظرية والتطبيقية الحديثة النقاش حول هذه القضية. ومن ناحية أخرى، أبرزت هذه الدراسات الحاجة إلى تجنب الجمود في تصميم السياسات بما قد يضطر البلدان ذات الاحتياجات الإنمائية الكبيرة إلى البقاء عند مستوى ثابت في استهلاك ثرواتها الطبيعية عبر الفترات الزمنية المختلفة (أي الاقتراض في البداية والادخار حين يزداد الدخل وتخفيض معدل الادخار عند تراجع الدخل).

ورغم أن هذه الدراسات تقدم منطقاً مقنعاً، فإنها لا تطرح مناهج عملية لإدارة المالية العامة في هذه البلدان، كما أنها تفرط في التركيز على دور صناديق إيرادات الموارد، على سبيل المثال.

فكيف يمكن، إذن، إضفاء مزيد من المرونة الواقعية على أطر المالية العامة في البلدان الغنية بالموارد؟ هذا السؤال نحلله من منظور تطبيقي في دراستنا الجديدة، فنقترح بدائل محددة توفر ركيزة فعالة لسياسة المالية العامة، مع إتاحة الفرصة لزيادة الإنفاق على أساس قابل للاستمرار عندما يكون هناك زيادة فى إيرادات الموارد.

وعند طرح البدائل، تركز دراستنا على عدم وجود منهج واحد يصلح للتطبيق فى جميع البلدان، نظراً لاختلاف الظروف الاقتصادية والمؤسسية من بلد إلى آخر، مثل درجة الاعتماد على إيرادات الموارد الطبيعية، ومدة وفرة الاحتياطيات، واحتياجات التنمية. ونظراً للتقلب الشديد الذي تتسم به الإيرادات المستمدة من الموارد الطبيعية وصعوبة التنبؤ بهذه التقلبات، فإنه ينبغي مراعاة الحذر والتدرج عند زيادة الإنفاق مع تطويع القواعد المالية المرنة وفقاً لتغير الظروف.

سبعة مبادئ

بناء على ما سبق، فإننا نقترح المبادئ التالية للاسترشاد بها في صياغة أطر السياسة المالية في البلدان النامية الغنية بالموارد الطبيعية:

  1. ينبغي أن يعكس الإطار الخصوصيات التي ينفرد بها كل بلد، مثل درجة الاعتماد على إيرادات الموارد الطبيعية ومدى تقلب هذه الإيرادات، بالإضافة إلى المدة المتوقعة لاستمرار تدفق الإيرادات منها ـ وكلها أمور قد تتغير بمرور الوقت.
  2. ينبغي أن يضمن الإطار الاستدامة المالية. ففى ضوء عدد السنوات المتوقع قبل نفاد الموارد الطبيعية، يمكن وضع معايير لقابلية الاستمرار باستخدام مناهج بسيطة للاستهلاك الثابت ـ لا سيما فى البلدان التي تنفد احتياطياتها بسرعة ـ أو بتوسيع نطاق التركيز على استقرار صافي الثروة الحكومية (ليس الآن، ولكن على المدى الطويل).
  3. يمكن لصناع السياسات اختيار ركائز مالية بديلة، إما من النوع الذي يركز على معالجة قضايا استمرارية المالية العامة (مثل قواعد عجز الرصيد غير النفطي الثابت بشكل دائم) أو الذي يركز أكثر على إدارة الطلب على المدى القصير (مثل قاعدة الرصيد الهيكلي أو القائم على الأسعار). وينبغي الاسترشاد بخصوصيات كل بلد عند اختيار الركيزة المالية المناسبة (انظر الجدول أدناه).
  4. ينبغي أن تكون الأطر مرنة بالقدر الكافي حتى تسمح بزيادة الإنفاق الداعم للنمو (كالاستثمارات العامة لمعالجة أي نقص حالى في البنية التحتية)، وخاصة في البلدان منخفضة الدخل.
  5. في البلدان التي تعاني الطاقة الاستيعابية فيها قيوداً كبيرة، قد يتطلب الأمر أن تكون وتيرة الزيادة تدريجية، مع العمل على تعزيز نظم الإدارة المالية العامة وتخفيف قيود العرض المحلي.
  6. من أهم العوامل التي يتعين مراعاتها عند تصميم أطر المالية العامة درجة تقلب إيرادات الموارد وعدم التيقن من استمراريتها، مما يستلزم توافر قدر كافٍ من الاحتياطيات المالية الوقائية. ولهذا ينبغي وضع إطار قوي للتنبؤ بالإيرادات وصياغة خطط للإنفاق من منظور متوسط الأجل.
  7. يمكن دعم مصداقية الإطار المستخدم وزيادة شفافيته عن طريق صندوق يصمم بعناية وتودع فيه إيرادات الموارد الطبيعية. لكن هذا الصندوق لا يمكن أن يكون بديلاً لإطار السياسات الملائم ولا هو العلاج السحري الذي يلغي الحاجة إلى تحسين القدرة على إدارة المالية العامة ككل. وينبغي أن تكون مثل هذه الصناديق مدرجة بالكامل ضمن الموازنة وإطار المالية العامة.

ويتضمن الإطار الكامل العناصر الثلاثة التالية:

1-    مؤشرات المالية العامة ـ وهي أفضل المقاييس التحليلية للوضع الفعلي للمالية العامة.

2-    معايير استمرارية المالية العامة ـ وهي وسيلة لتقييم السياسة المالية من منظور أطول أجلاً.

3-    ركائز المالية العامة ـ وهي القواعد أو الخطوط الإرشادية الأنسب للبلدان الغنية بالموارد الطبيعية وخصوصياتها الفريدة.

ويوضح الجدول أدناه القواعد الأنسب التي يمكن اعتمادها في هذه البلدان استناداً إلى بُعدين محددين، هما الأفق الزمني لاحتياطيات الموارد الطبيعية والندرة النسبية لرأس المال.

 

ركيزة/قاعدة المالية العامة (للأجل القصير إلى المتوسط)

مع ندرة رأس المال بدون ندرة في رأس المال
مع توقع استمرارية الموارد لفترة طويلة قاعدة مرنة للرصيد الأوَّلي غير المرتبط بالموارد الطبيعية، بالإضافة إلى حد أقصى لنمو النفقات  قاعدة مستندة إلى الأسعار (الرصيد الكلي) بالإضافة إلى حد أقصى لنمو النفقات قاعدة للرصيد الأوَّلي غير المرتبط بالموارد الطبيعية  قاعدة مستندة إلى الأسعار (الرصيد الكلي) بالإضافة إلى حد أقصى لنمو النفقات
مع توقع استمرارية الموارد لفترة قصيرة قاعدة مرنة للرصيد الأوَّلي غير المرتبط بالموارد الطبيعية، بالإضافة إلى حد أقصى لنمو النفقات  حدوث ارتفاع مبدئي (ولكن متناقص) في عجز الرصيد الأولي غير المرتبط بالموارد الطبيعية، للسماح بزيادة النفقات الرأسمالية الحفاظ على ثبات العجز الأوَّلي غير المرتبط بالموارد عبر الفترات الزمنية

 

* باللغة الانجليزية

نرحب بتعليقاتكم

*