التوازن المناسب بين النمو والتقشف المالي

 ديفيد ليبتون بقلم  ديفيد ليبتون

مع المصاعب التي يمر بها عدد من البلدان في أوروبا ومناطق أخرى من العالم بسبب النمو المنخفض والمديونية المرتفعة والبطالة المتزايدة، اشتد النقاش مؤخراً حول الاختيار ما بين التقشف المالي ـ أي تقليص العجز بتخفيض الإنفاق أو زيادة الإيرادات ـ وزيادة النمو الاقتصادي.

فالمطلوب حالياً هو أن يتخذ صناع السياسات الاقتصادية إجراءات لمواجهة استمرار أزمة تعتبر الأسوأ منذ الكساد الكبير. وهذه ليست مهمة سهلة، ومما يضيف الكثير إلى صعوبتها أن عدداً من البلدان ينبغي أن يبدأ عملية التقشف المالي في نفس الوقت. ويضاف إلى تعقيدات المشهد الحالي أن السياسة النقدية في معظم الاقتصادات المتقدمة لم يعد لديها الكثير من الأدوات الممكنة لتنشيط الاقتصاد.

فمن جانب، لا يوجد مفر من ضرورة تخفيض مستويات الديون. فالمديونية المرتفعة تعرِّض البلدان لصدمات أسعار الفائدة، وتحد من قدرتها على اتخاذ إجراءات لمواجهة الصدمات المستقبلية، وتقلل من إمكانات النمو على المدى الطويل. ومن جانب آخر، كلنا يعلم أن التقشف المالي عادة ما يخنق النمو.

ومع وصول عدد المتعطلين إلى 200 ألف مليون شخص على مستوى العالم، وما تشير إليه التنبؤات من تسجيل البلدان المتقدمة نمواً لا يتجاوز 1.5% في عام 2012، تصبح هناك ضرورة كبيرة لضبط السرعة التي يتم بها التقشف المالى. وبالتالي يصبح السؤال هو: كيف يمكن لصناع السياسات التوصل إلى التوازن الصحيح في هذا الشأن؟

كما أشارت السيدة كريستين لاغارد، مدير عام الصندوق، مؤخراً، إن الجدل حول المفاضلة بين النمو والتقشف المالى هو جدل لا أساس له من الصحة في جوهر الأمر. فالمعضلة أنه لا يمكن تحقيق نمو دائم دون سياسات قابلة للاستمرار، وتحقيق الاستمرارية يتطلب في الوقت الحاضر تصحيح أوضاع المالية العامة. لكن تصحيح أوضاع المالية العامة لا يمكن أن يُكتب له الاستمرارية فى غياب النمو.

وبذلك يكون التحدي هو وضع استراتيجية داعمة لكل من الاستقرار والنمو فى آن واحد، وهو أمر ممكن. لكننا لا نستطيع إنكار ما يتطلبه التقشف المالى من تكاليف حقيقية وخيارات صعبة على المدى القصير، وخاصة بالنظر إلى النمو الذي أصبح أقل من مستوياته الممكنة وتراجع قدرة كل من السياسة النقدية (حيث وصلت أسعار الفائدة إلى مستويات متدنية للغاية) والطلب الخارجي (حيث النمو العالمى الضعيف) فى تنشيط الاقتصاد.

النمو ضروري

دعونا لا ننسى أيضاً أن النمو ساهم من قبل بدور أساسي في تخفيض نسب الدين إلى إجمالي الناتج المحلي. ولذلك ينبغي أن تكون السياسات الهادفة إلى تعزيز النمو في مقدمة الحلول التي يمكن التفكير فيها. فنظراً لانخفاض الضغوط التضخمية أو تراجعها المستمر في معظم الاقتصادات المتقدمة، ينبغي أن تظل السياسة النقدية داعمة للنشاط الاقتصادي بشكل واضح، كما ينبغي إعادة رسملة البنوك حتى يتوقف الأثر السلبى على النمو الذي يسببه تراجع قدرة البنوك على منح القروض، وأن تسير الإصلاحات الهيكلية بسرعة أكبر لإعطاء دفعة للنمو على المدى المتوسط.

وفي نهاية المطاف، سيكون تحقيق النمو هو معيار النجاح والفشل في إجراء التقشف المطلوب. ومما يمكن أن يساعد في هذا الاتجاه أن تُتخذ إجراءات منسقة على المستويين الإقليمي والعالمي.

تحقيق التوازن الصحيح

يلزم الآن اتخاذ إجراءات للتقشف المالي في كل بلد تقريباً من بلدان الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى كثير من الاقتصادات المتقدمة في أنحاء أخرى من العالم. فنسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي بلغت ذروة لم تصل إليها إلا مرة واحدة طوال المائة والثلاثين عاماً الماضية ـ أثناء الحرب العالمية الثانية. لذلك يجب تخفيض الديون ومستويات العجز في معظم الاقتصادات المتقدمة.

وهنا يصبح السؤال: ما هي السرعة المناسبة؟

والمبدأ العام في الإجابة عن هذا السؤال هو أن التصحيح المالي ينبغي أن يتم في سياق خطط دقيقة التحديد تغطي المدى المتوسط، على أن يتم التنفيذ بسرعة أساسية ثابتة تحقق التوازن بين الحاجة إلى تخفيض العجز وضرورة عدم التأثير على تعافي الاقتصاد.

وينبغي التركيز هنا على مصطلح “السرعة الأساسية”، وهو يعني أن مسار التصحيح ينبغي تحديده بصرف النظر عن التقلبات الدورية التي يمر بها الاقتصاد. وضمن هذا المنهج الكلي، هناك مجال للاختلافات بين البلد والآخر. فالبلدان التي تعاني ضعفاَ في حسابات ماليتها العامة ينبغي أن تكون وتيرة التصحيح المالى فيها أسرع. كما أن التصحيح السريع منذ البداية يجب أن يقتصر على البلدان التي لا تجد خياراً آخر بسبب قيود التمويل.

هل نحن على الطريق الصحيح؟

من هذه الزاوية، تسير عملية التصحيح بصورة معقولة في جميع الاقتصادات المتقدمة هذا العام. ويبدو المعدل الحالي لتخفيض الديون مناسباً إلى حد كبير في الاقتصادات المتقدمة، وهو في المتوسط 1% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي سنوياً.

وبالنسبة لعام 2013، تعتبر معدلات التصحيح المالى المخطط لها في معظم البلدان ملائمة إلى حد كبير أيضاً. أما الاستثناء الواضح فهو الولايات المتحدة، حيث سيتطلب الأمر تقييد الإنفاق بشكل كبير ما لم يتم تعديل التشريع الحالي الخاص بسقف الدين. وفي عدد قليل من بلدان منطقة اليورو أيضاً، قد يتعين إجراء تعديل في الأهداف المالية لعام 2013 والتي تم الاتفاق عليها قبل أن يبدأ النمو فى التباطؤ كما هو الحال الآن.   

لكن الجميع يجب أن يكون مستعداً لاحتمال إعادة النظر. فإذا ازدادت الظروف سوءاً، ينبغي أن تلتزم البلدان بتدابيرها المعلنة، ولكن ليس بالضرورة بأهدافها الكمية. ويعني هذا عدم مقاومة أدوات الضبط التلقائي (“automatic stabilizers”)، والتى تتضمن تخفيض الإيرادات وزيادة الإنفاق بسبب انخفاض النمو. وإذا تطورت آفاق الاقتصاد لتصبح أسوأ بكثير، قد يتطلب الأمر إعادة النظر فى السياسات القائمة بحيث تصبح أكثر دعماً للنمو.

وبطبيعة الحال، لا تعتبر السياسة المالية من الأدوات الملائمة بالقدر الكافي لمواجهة الصدمات المحدودة، كما أن إدخال تغييرات على هذه السياسة من شأنه التأثير على مصداقيتها. لكن الأمر قد يتطلب إعادة النظر فى الوتيرة الأساسية لعملية التصحيح إذا ثبت أن التأثيرات المعاكسة المترتبة على انخفاض كل من الطلب العام والخاص أكبر بكثير مما كان متوقعاً أو كانت هناك صدمات سلبية كبيرة أخرى.

مواصلة الجهود

حتى في ظل الافتراضات المتفائلة، سيستغرق الأمر سنوات طويلة حتى تعود نسب الديون إلى مستويات آمنة.

ومن المهم لإرساء المصداقية وضع خطط واضحة متوسطة الأجل تتضمن تدابير محددة وتدعمها أطر مالية قوية. فالغموض بشأن خطط التصحيح يؤثر على مصداقية أي بلد، وخاصة في ظل المناخ الحالي.

وفي هذا الخصوص، تجدر الإشارة إلى أن كلا من الولايات المتحدة واليابان يفتقران إلى خطط طموحة متوسطة الأجل تحدد إجراءات تفصيلية بالقدر الكافي لتخفيض نسب الديون. وبينما تطبق كل البلدان الأوروبية خططاً عامة في إطار المعاهدة المالية (“fiscal compact”)، نجد أن التدابير اللازمة لتحقيق الأهداف لا تزال بحاجة إلى مزيد من التوضيح في بعض الحالات.

وفي هذا السياق، من المهم الانتباه أيضاً إلى عناصر عملية التصحيح التي تتقسم إلى تدابير للإنفاق وأخرى للإيرادات. ونقطة البداية مهمة في هذا السياق. وهي تشير، بشكل عام، إلى أن البلدان الأوروبية ينبغي أن يكون تركيزها أكبر على تخفيضات الإنفاق التي تكون في الغالب أكثر استمرارية على المدى الأطول، بينما تشير مستويات الإنفاق المنخفضة نسبياً في الولايات المتحدة إلى وجود مساحة أكبر للتحرك على مستوى الإيرادات.

نظرة إلى المستقبل

مع بداية مرحلة التقشف منذ عامين في ظل الأزمة العالمية، يقدم الصندوق المشورة للبلدان الأعضاء تمشياً مع المبادئ العامة المذكورة سابقاً. فقد دعونا إلى تسريع عملية التصحيح حين رأينا أن التصحيح المالي يسير بسرعة غير كافية، كما دعونا فى أوقات أخرى إلى الإبطاء من وتيرة التصحيح حين رأينا أن عملية التصحيح المالى تسير بسرعة مفرطة، وذلك في ضوء آفاق النمو وظروف التمويل.

وبالنظر إلى المستقبل، سنواصل العمل مع بلداننا الأعضاء وتقديم العون اللازم لها في تحديد مزيج السياسات المناسب لظروف كل منها، مع محاولة التأكد من أن مجموع سياسات كل بلد لن يؤثر بالسلب على مسيرة التعافي العالمي الضعيف الذي يشهده الاقتصاد في الوقت الراهن.

وإن كانت هناك أوقات ملائمة للمناهج النظرية التقليدية، فإن ذلك لا ينطبق على الوقت الراهن ونحن نواجه هذه التحديات. إنما يجب أن تظل عقولنا مفتوحة ونظل على استعداد لتطويع إجراءات السياسة الاقتصادية – إذا اقتضت الظروف – حسب متطلبات مواجهة الأزمة.

نرحب بتعليقاتكم

*