لماذا يحتاج العالم العربي لربيع اقتصادي

بقلم نعمت شفيق

ما يلفت انتباهك إذا سافرت في رحلة إلى الشرق الأوسط هو الانشغال بأحاديث السياسة طوال الوقت. كان هذا دائماً هو الحال في بلدان مثل لبنان حيث تُعد السياسة موضوعاً لتمضية الوقت على المستوى الوطني، لكن ذلك يعتبر ظاهرة جديدة في بلدان شمال إفريقيا والخليج العربي.

وتشهد المنطقة الآن حركة لوضع دساتير جديدة، ونرى الأحزاب السياسية ومجموعات الشباب منهمكة بنشاط، كما نجد الجميع يعرب عن رأيه في الأحداث الجارية. ويبدو على الجيل الأكبر الشعور بالقلق من عدم اليقين المصاحب للتغيير، بينما يظل جيل الشباب مليئاً بالحماس.

الحاجة لفكر اقتصادى جديد

ولكن ما لاحظته خلال أسبوع سافرت فيه عبر بلدان المنطقة هو أن الاقتصاد موضوع لا يتحدث عنه أحد، وهو أمر يثير للقلق. فبينما كان 2011 عاماً من التحولات الكبرى في الميدان السياسي، نلاحظ أن معظم المؤشرات الاقتصادية اتخذت مساراً خاطئاً في البلدان غير النفطية. فقد انخفض النمو إلى النصف، وارتفعت معدلات البطالة، وبدأت الاحتياطيات تخضع لضغوط، وازداد عجز الموازنات العامة اتساعاً مع استجابة الحكومات للضغوط الاجتماعية عن طريق زيادة الإنفاق على الأجور والدعم المعمم.

وتحرص الحكومات الجديدة عبر بلدان المنطقة على تلبية المطالب الخاصة بالوظائف والعدالة الاجتماعية التي أوصلتها إلى الحكم، لكنها سرعان ما تواجه الواقع المرير بما فيه من موارد محدودة وجماعات مصالح قوية.

ومثلما فتح “الربيع العربي” باب النقاش بشأن السياسة في الشرق الأوسط، فإننا نحتاج الآن إلى “ربيع اقتصادي” نناقش من خلاله كيفية إعادة التفكير في المستقبل الاقتصادي الذي ينتظر المنطقة.

وبالطبع، سيكون على كل بلد أن يحدد استراتيجيته الخاصة، لكن الأمر لا يخلو من بعض القضايا المشتركة التي يتعين معالجتها. فكيف يمكن للبلدان أن تتحول من نظام الدعم المعمم إلى نظام يستهدف الفقراء لتحرير قدر من الموارد يمكن استثماره لتحسين النظام التعليمي والبنية التحتية؟ وكيف يمكن أن تصبح النظم الضريبية أكثر عدالة حتى يتاح لأفقر الشرائح السكانية حد أدنى من الحياة الكريمة؟ ونظراً لتضخم القطاع العام، كيف يمكن حث القطاع الخاص على توفير الوظائف المطلوبة في العشر سنوات القادمة والتي تتراوح بين 50 و 70 مليون وظيفة؟ لسوء الحظ، لا يوجد حتى الآن حوار حقيقي بشأن هذه القضايا.

ظروف صعبة

ويتعين على المنطقة أن تقوم بهذا التحول التاريخي في بيئة أصعب بكثير مما واجهته أوروبا الشرقية بعد انهيار سور برلين. فقد كان الاقتصاد العالمي مزدهراً في التسعينات، وكانت أوروبا حريصة على دعم بلدان التحول الاقتصادي بتوفير ركيزة تستند إليها السياسات من خلال عضوية الاتحاد الأوروبي، كما كان التمويل الخارجي متاحاً بسهولة. ولا يتوافر الآن أي من هذه الظروف لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما أن الموارد محدودة بالرغم من استعداد المجتمع الدولي لتقديم المساعدة. وسيتعين تمويل معظم متطلبات التحول الاقتصادي في المنطقة من خلال الموارد المحلية، وهو ما يعني أن هذه الموارد يجب أن تصل إلى الحجم المطلوب.

ومن الضروري أن يبدأ النقاش في الشهور القادمة، وأن يكون نقاشاً محلياً يشترك فيه جيل الشباب الذي أصبح مستقبله الاقتصادي على المحك – من حيث فرص العمل المتوقعة والديون التي سيضطر إلى سدادها إذا تعرضت اقتصاداته لسوء الإِدارة. وقد كان الاستماع إلى طلاب الجامعات في بيروت أثناء عرض قدمته في الجامعة الأمريكية باعثاً على النظر إلى الأمور برؤية جديدة. فقد طرحوا أسئلة كثيرة عن الاقتصاد وانعكاساته على مستقبلهم، وكانت القاعة تموج بالحيوية والفكر المتقد، كما كان من الواضح أن الطلاب يشعرون بالقلق مما تخبئه لهم الأيام القادمة. وتراوحت هذه المخاوف من الحاجة إلى الحصول على مستوى تعليمي أفضل إلى الحصول على فرصة عمل وحماية البيئة. كذلك علق الطلاب على الحاجة إلى الشفافية بشأن الموارد العامة والطريقة التي يستطيع من خلالها الصندوق معالجة التحديات الكثيرة التي تواجه المنطقة.

وبعد هذه الزيارة ازددت اقتناعا بأنه دون تحقيق “ربيع اقتصادي” يصاحب “الربيع العربي” والتحولات السياسية المهمة الجارية في المنطقة، نصبح معرضين لمخاطر الفشل على الجبهتين.

نرحب بتعليقاتكم

*