بدون تحسين البيانات فى الشرق الأوسط، يضل صناع السياسات الطريق

بقلم نعمت شفيق

صاحبت أولادي مؤخراً في رحلة مدرسية مارسنا فيها رياضة اختراق الضاحية عبر الغابات (orienteering)، وهي رياضة استكشافية تحاول فيها التماس طريقك إلى نقاط محددة عبر أراض مجهولة دون الاسترشاد بأي وسيلة مساعدة سوى البوصلة وخريطة “طبغرافية”. وكان التجول عبر الغابات بصحبة ستة أطفال في التاسعة من العمر درساً جيداً في قيمة الإرشادات التوجيهية السليمة والبيانات الصحيحة للوصول إلى الطريق المستهدف حين تجد نفسك في مكان مجهول. وبالمثل، فإن اتخاذ قرارات بشأن السياسات الاقتصادية دون بيانات كافية في الوقت المناسب لا بد أن يؤدي بك إلى فقدان الاتجاه الصائب، وضياع الوقت، وإهدار الموارد، وارتكاب أخطاء في السياسات المختارة وما يترتب عليه من آثار سلبية على النمو الاقتصادى وعملية التنمية بشكل عام.

وتعانى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من وجود قصور كبير في البيانات على نحو يثير القلق، لا سيما خلال فترة التحول الاقتصادى. فالبيانات تشوبها الثغرات وضعف الجودة، كما أنه في كثير من الحالات لا يتم إتباع القواعد المتفق عليها دولياً لمعايير المنهجيات الإحصائية ومدى دورية إعداد البيانات ودرجة حداثتها وممارسات نشرها. وقد كانت هذه القضايا من ضمن ما ركزت عليه خلال مشاركتي في مؤتمر عربستات في المملكة المغربية هذا الأسبوع.

والمُلاحَظ أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعد متأخرة عن ركب المناطق الأخرى في تطبيق المنهجيات الإحصائية المقبولة دولياً لمعظم فئات البيانات. وتخلص تقارير الصندوق إلى أن أهم نقاط الضعف تتركز في بيانات الحسابات القومية ومالية الحكومة والقطاع الخارجي. فإعداد إحصاءات أسعار المستهلكين، على سبيل المثال، لا يتبع المنهجية المقبولة دولياً إلا فى عدد قليل جداً من بلدان المنطقة.

وتؤدي هذه الثغرات إلى عرقلة التقييم السليم للتطورات الاقتصادية، والصياغة الفعالة للسياسات، والتنبؤ بالمخاطر قبل أن تحدث. فخبراء الأرصاد الجوية لا يمكنهم الخروج بتنبؤات دون بيانات كافية وعالية الجودة. ولا يختلف في ذلك خبراء الاقتصاد أو مستثمرو القطاع الخاص.

 تحسين الإحصاءات من خلال التنسيق الإقليمي

يؤدي توافر إحصاءات اقتصادية كلية دقيقة وموثوق بها إلى تعزيز فعالية صنع السياسات وتحسين فهم المخاطر الاقتصادية والمالية، وإمداد المستثمرين بالبيانات الضرورية لاتخاذ القرارات على أساس مستنير. وقد بُذِلت جهود في هذا الاتجاه عبر بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكن الأمر يتطلب مزيداً من الجهد للوصول بالنظم الإحصائية إلى مستوىاتها المناظرة فى المناطق الأخرى. وينبغي تحقيق مزيد من الشفافية وتوسيع نطاق نشر البيانات العامة، وكذلك اعتماد قوانين إحصائية تؤكد استقلالية الأجهزة الإحصائية عن التدخلات السياسية. ولتحقيق هذه الأهداف، سيكون من المفيد للغاية إنشاء مؤسسة إحصائية وطنية ـ عربستات ـ تقوم بمهمة التنسيق بين أنشطة الأجهزة الإحصائية الوطنية وتصل بالنظم الإحصائية في المنطقة إلى مستوىاتها في المناطق الأخرى.

وكما في المناطق الأخرى، يتمثل الغرض من هذه المؤسسة في قيادة الجهود التي تُبذل لتشجيع إنتاج البيانات ونشرها على مستوى البلد الواحد والمستوى الإقليمي. وتكلَّف المؤسسة المقترحة بقيادة ما يبذل من جهود لتحسين جودة البيانات حتى تصل إلى مستوى المعايير الدولية وإتاحة منبر لدعم التعاون وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الإحصائية الوطنية، بغية تحقيق التجانس بين المنهجيات الإحصائية وممارسات نشر البيانات.

دور الصندوق

ليس الصندوق من أكثر المستخدمين للإحصاءات فقط، بل إنه يعمل أيضاً على تشجيع الشفافية ويقوم بإعداد البيانات ونشرها.

وقد أطلقنا المعيار الخاص لنشر البيانات (Special Data Dissemination Standard – “SDDS”) في عام 1996 لكي تسترشد به بلداننا الأعضاء القادرة على دخول أسواق رأس المال الدولية أو التي تسعى لدخولها في تقديم بياناتها الاقتصادية والمالية للجمهور العام؛ وكذلك النظام العام لنشر البيانات (General Data Dissemination System – “GDDS”) في عام 1997 لكي تسترشد به بلداننا الأعضاء في وضع خطط التطوير الإحصائي. وقد حققت كلا المبادرتين نجاحاً كبيراً.

ويمثل الاشتراك في المعيار الخاص لنشر البيانات تجسيداً للتطور الإحصائي والالتزام السياسي بنشر البيانات طبقا لمعايير صارمة ومحددة لدورية البيانات وحداثتها. ولسوء الحظ، نجد أن خمسة بلدان فقط من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي المشتركة حالياً في المعيار الخاص لنشر البيانات. بالإضافة إلى ذلك، تُعد دول المنطقة المشاركة في النظام العام لنشر البيانات أقل نجاحاً في الالتزام بإرشادات الدورية والحداثة مقارنة بالبلدان الأعضاء من المناطق الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، فقد نجحت عدة بلدان بالمنطقة في تحسين إحصاءاتها من خلال المشاركة في “المسح المنسق لاستثمارات الحافظة” (البحرين ومصر والكويت ولبنان) و”المسح المنسق للاستثمار المباشر” (البحرين والأردن والكويت والمغرب والضفة الغربية وقطاع غزة)، وهو ما يشير إلى إمكانية تحقيق تقدم عند توافر الالتزام.

إن المنطقة  لا تزال بحاجة إلى تحسين الإحصاءات – بمساعدة الصندوق. وكما قال أحد المسئولين ممن شاركوا فى المؤتمر: “إن الإحصاءات الجيدة أقل تكلفة من السياسات السيئة”. وسوف نواصل العمل مع الحكومات في مختلف بلدان المنطقة لتحسين نظمها الإحصائية بما يتيح لها الإرشاد اللازم لصياغة سياسات سليمة، ومن ثم ضمان السلامة واليسر في رحلة التطوير خلال المرحلة المهمة التى تمر بها المنطقة.

 

نرحب بتعليقاتكم

*