ضماناً لتحقيق النمو الشامل في الشرق الأوسط

بقلم نعمت شفيق

علمتنا الثورات التي انتشرت في أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام 2011 أنه حتى النمو الاقتصادي السريع لا يمكن أن يُكتب له البقاء ما لم يعود بالنفع على جميع الفئات، ويكون قادراً على توفير فرص عمل كافية للقوى العاملة المتنامية، ومصحوباً بسياسات تحمي الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. ولا شك أن غياب قواعد العمل الشفافة والعادلة من شأنه إضعاف عملية التنمية.

لقد أصبحت آمال الشعوب وطموحاتها كبيرة في المنطقة بعد الثورات، وهو ما يتطلب توجيه اهتمام أكبر إلى القضايا الاجتماعية عند اتخاذ قرارات السياسة الاقتصادية. وفى كلمتى اليوم أمام المنتدى الاقتصادي العربي ببيروت، أوضحت ما أراه من حاجة إلى ”ربيع اقتصادي” يكمل ما أصبح يعرف باسم “الربيع العربي”.  

صورة قاتمة بحاجة للانتباه

يفوق معدل البطالة بين الشباب في بلدان المنطقة المستوردة للنفط – والذى يصل لمستوى 25 في المائة – المعدلات فى أي منطقة أخرى من العالم، بل أن معدل البطالة ذاته يصل إلى 30 في المائة في تونس و 32 في المائة في المغرب. والمفارقة الكبرى أن التعليم لا يمثل حصانة ضد البطالة في المنطقة. ففي الواقع، تميل معدلات البطالة للازدياد كلما ازداد مستوى التعليم، وبما يتجاوز 15 في المائة بالنسبة للحاصلين على التعليم الجامعي في كل من مصر والأردن وتونس.

وفي كثير من بلدان المنطقة، تصل معدلات الفقر إلى مستويات مرتفعة وغير مقبولة، في حين تتراجع مؤشرات التنمية البشرية عن نظيراتها فى العديد من المناطق الأخرى من العالم وفقاً لتقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

كيف يصبح النمو شاملاً للجميع

ينبغي أن تركز الاستراتيجيات الاقتصادية متوسطة الأجل على توفير الفرص الاقتصادية للجميع، بما في ذلك المساواة في إتاحة فرص أفضل للحصول على الائتمان. ولا يمكن توفير الوظائف دونما إصلاح لنظم التعليم لإعداد خريجين يمتلكون المهارات المطلوبة في سوق العمل الحديث. وهناك ثمة حاجة لإصلاح سوق العمل ذاته لإزالة أوجه الجمود وتوفير المزيد من فرص العمل.  

ومن الضروري أيضاً تعزيز الشفافية والحد من البيروقراطية للمساهمة في إقامة بيئة مواتية للأعمال ودعم دور القطاع الخاص في الاقتصاد، ومن ثم توفير فرص العمل الضرورية. ومن خلال التقدم في هذا المجال، يمكن العمل أيضاً على  احتواء القطاع غير الرسمي تحت المظلة الرسمية ، مما يحفز الاقتصاد ويعزز النمو الذي يستفيد منه الجميع. والواقع أنه لا يوجد سبيل آخر لتوفير 50-70 مليون فرصة عمل، وهو العدد المطلوب من أجل تخفيض معدلات البطالة وتلبية احتياجات المنضمين الجدد إلى القوى العاملة بالمنطقة، خلال العقد القادم. 

كذلك يتعين مراعاة الدقة في تصميم نظام الدعم – الذي يعتمد عليه الكثيرون في المنطقة – والذى يقدر صندوق النقد الدولي تكلفته بنحو 210 مليار دولار، أى حوالي 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة فى عام 2011. فعلى سبيل المثال، تصل ميزانية دعم الغذاء والوقود إلى نحو 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر و 12 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأردن. وعلى الرغم من ذلك، تصل 20 في المائة فقط من تلك المعونات إلى الفقراء في حين تعود 80 في المائة المتبقية بالنفع على غير المحتاجين.

ويشجع الدعم السعرى أيضاً على الإسراف وعلى ظهور الأنشطة التى تسبب إهداراً اجتماعياً مثل التهريب والسوق السوداء والفساد. ويتردد أن دعم الأسعار فى مصر قد أدى فى بعض الأحيان إلى استخدام الخبز البلدى المدعوم كعلف للحيوانات والأسماك، وأن القمح المدعوم – والذي من المفترض أن يستخدم في إنتاج الخبز البلدي – يتم بيعه أحياناً في السوق السوداء لمخابز الحلوى الفاخرة بينما ينتظر الفقراء من الناس فى طوابير أمام المخابز لساعات طويلة ولا يجدون ما يكفى لإطعام أسرهم. كما تردد عن تهريب البنزين والسولار وكذلك انتشار السوق السوداء على نطاق واسع في حالة اسطوانات الغاز المدعمة، مما أدى إلى نقص حاد متكرر وإلى طوابير طويلة للحصول على أسطوانة واحدة.

ولتحقيق الاستهداف عند تصميم نظام الدعم ، ينبغي إلغاء النظم المُهدِرة للموارد التي يستفيد من معظمها الأغنياء والاعتماد بدلاً منها على شبكات للأمان الاجتماعي توجه للفقراء وتكفل لهم الحماية.

وأخيراً، يتعين أن ندرك أن أى أجندة للتضمين الاجتماعى لن يتسنى لها البقاء ما لم تكن نابعة من البلد المعني، وما لم يكن الاستقرار الاقتصادي والمالي سائداً. ولذلك فإن السياسات الاقتصادية الكلية لازمة لإبقاء التضخم – وهو ما يضر الفقراء أكثر من أى فئة أخرى – والاختلالات المالية والخارجية تحت السيطرة.

كيف يمكن أن يساعد الصندوق

يقدم الصندوق العون بالفعل على ثلاث جبهات رئيسية: المشورة بشأن السياسات الاقتصادية، وبناء القدرات، والتمويل.  

فمن حيث المشورة بشأن السياسات، قمنا بتطويع عملنا التحليلي لمواجهة المستجدات على أرض الواقع، وذلك عن طريق إدخال مفهوم النمو الشامل بشكل أكثر منهجية فيما نقدمه من مشورة. وفي هذه البيئة الصعبة، يشجع صندوق النقد الدولي على اتخاذ تدابير لزيادة الإنفاق على – وتحسين استهداف – برامج شبكات الأمان الاجتماعي التي يمكن أن تخفف من أثر “الركود الكبير”.

وفي هذا السياق، قمنا بتحديد خمسة مجالات حاسمة لتحقيق نمو أكثر تحقيقاً للتضمين الاجتماعي مما كان عليه في السابق ـ وهي توفير فرص العمل، وإقامة شبكات للأمان الاجتماعي توجَّه بدقة أكبر، ونظام حوكمة أقوى، ومناخ أعمال أفضل، وفرص أكبر للحصول على التمويل، ومزيد من الفرص التجارية، والاندماج.

ومن حيث بناء القدرات، تتركز جهودنا في المنطقة على تقديم المساعدة الفنية والتدريب الذي يهدف إلى بناء مؤسسات قوية، وخاصة في إدارة المالية العامة والرقابة المصرفية؛ ووضع سياسات عادلة للمالية العامة تحقق مزيداً من الإنصاف؛ وتكوين رصيد جيد من البيانات لتكون قاعدة قوية تتخذ على أساسها قرارات السياسة، وهو المجال الذي نرى فيه أهمية كبرى لإنشاء كيان إحصائي إقليمي وهو “أرابستات” ARABSTAT . فتلك المؤسسة ستكون هامة بالنسبة لمسألة الشفافية والحوكمة بالمنطقة، لأنها ستأخذ زمام المبادرة في تشجيع إنتاج ونشر البيانات على الصعيد المحلى وكذلك على المستوى الإقليمي، ومن شأنها أيضاً أن تتزعم الجهود لتحسين جودة البيانات وفقاً للمعايير الدولية.

أما من حيث التمويل، فقد أنشأنا تسهيلات تمويلية جديدة وأدوات للإقراض تقترن بشروط مبسطة، وهو ما جاء في جانب منه تلبية لاحتياجات التمويل في المنطقة، كما قمنا بتعبئة موارد تمويلية رسمية أخرى لسد الفجوات المالية والخارجية قصيرة الأجل في عدد من البلدان. وفي سياق جهودنا لحماية الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع في ظل البيئة الاقتصادية الصعبة حالياً، أصبحت الشروط المقترنة ببرامجنا الاقتصادية في معظم البلدان تتضمن التزاماً على الحكومة بتحسين استخدام الموارد لأغراض شبكات الأمان الاجتماعي.

وكجزء من عملية إصلاح واسعة لجعل التمويل الذى يقدمه صندوق النقد الدولي أكثر مرونة لتلبية الاحتياجات المتنوعة للبلدان الأعضاء، أنشأ الصندوق خط “التمويل السريع” (Rapid Financing Instrument*) وخط الوقاية والسيولة (Precautionary and Liquidity Line). يوفر خط “التمويل السريع” المساعدة المالية السريعة لجميع البلدان الأعضاء التي تواجه حاجة ملحة لتمويل موازين المدفوعات. أما خط “الوقاية والسيولة” فيوفر التمويل اللازم لسد عجز فعلي أو محتمل فى موازين مدفوعات البلدان التي تتبع سياسات اقتصادية سليمة، ويهدف لأن يكون بمثابة تأمين ضد الأزمات بشكل واسع النطاق.

إننا نعلم أن الإقصاء الاجتماعي والبطالة، وخاصة بين الشباب، يسببان ألماً بالغاً لمن يتعرض لهما، وأن التحديات القادمة جسيمة. وينبغي ألا نقصّر في تحقيق آمال وطموحات الشعوب التي نزلت إلى الشوارع مطالِبة بها. ويجب أن نسعى جاهدين كي نضمن توافر الفرصة لشعوب بلدان التحول العربي حتى تحقق مستقبلاً أكثر عدلاً ورفاهية.

*بالإنجليزية

نرحب بتعليقاتكم

*