بلدان التحول العربي تحت الأضواء

بقلم مسعود أحمد

تشهد عدة بلدان عربية ضغوطاً اقتصادية متزايدة وهي تواصل التقدم في مسيرة تحولها التاريخي. فنظراً لحالة عدم اليقين السائدة محلياً بشأن مسارها المستقبلي، والتى تتزامن مع تباطؤ الاقتصاد العالمي وتصاعُد أسعار النفط، تأثرت معدلات النمو في هذه البلدان خلال عام 2011 وسيكون العام الحالى محملاً بتحديات مماثلة. وتتطلب هذه الظروف بذل جهد مشترك ومستمر لمساعدة هذه البلدان على تجاوز الفترة العصيبة الراهنة ورسم رؤية اقتصادية تقوم على العدالة وتهتم بجميع شرائح المجتمع.

مخاطر واضحة تتطلب عزيمة قوية

كانت المصاعب والتحديات التي تواجه هذه البلدان موضع تركيز كبير في المناقشات التي جرت أثناء اجتماعات الربيع المشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2012، والتي عُقدت في الأسبوع الماضي. وقد شارك في هذه الاجتماعات وزراء ومسؤولون رفيعو المستوى من كل أنحاء العالم، واحتلت قضايا الشرق الأوسط موقعاً بارزاً على جدول الأعمال.

وشهدت اجتماعات الربيع توافقاً كبيراً في الآراء حول ضرورة وضع استراتيجية قوية تُمكِّن بلدان المنطقة من التغلب على هذه التحديات المتزايدة.

أولاً، يتمثل التحدي الآني أمام كثير من البلدان العربية في معالجة اختلالات المالية العامة وميزان المدفوعات دون أن يؤدي ذلك إلى مزاحمة الاستثمار الخاص. ويتطلب هذا الهدف السيطرة على الإنفاق المهدِر للموارد والذي لا يُوجَه لمستحقيه، وخاصة الإنفاق على الدعم. لكن إصلاح الدعم ليس أمراً سهلاً، ومن الضروري توفير الحماية الاجتماعية الكافية مع تطبيق منهج متدرج في إلغائه. وإضافة إلى ذلك، ستتطلب معالجة اختلالات ميزان المدفوعات في بعض الحالات درجة أكبر من المرونة في سعر الصرف. وكلها أمور تكتسب أهمية بالغة في حشد المساندة الخارجية.

ثانياً، ينبغي أن تحدد البلدان خططاً لسياساتها الاقتصادية تستهدف نمواً منشئاً لفرص العمل يعود بالنفع على كافة شرائح المجتمع. فالمنهج المتباطئ لن يكون كافياً لمواجهة هذا التحدي. إنما ينبغي أن تصل برامج الإصلاح إلى صلب المشكلات الاقتصادية المزمنة التي ساهمت في حدوث الثورات فى بلدان التحول، وهو ما يشمل ضمان المساواة في إتاحة الفرص الاقتصادية للجميع، وزيادة الشفافية، وتحسين إمكانية الحصول على الائتمان، وتعزيز مناخ الأعمال، وإصلاح نظام التعليم وسوق العمل.

ثالثاً، ينبغي وضع جدول أعمال للإصلاح في البلدان المعنية، وأن يحظى جدول الأعمال هذا بتأييد سياسي كبير. فمن المرجح أن تتولى الحكومات الحالية واللاحقة تنفيذ البرامج الاقتصادية لبلدان التحول العربي على مدار عامين أو ثلاثة أعوام. ومن هنا فإن التأييد السياسي الكبير يمثل عاملاً حاسماً في دعم الثقة وتنفيذ البرامج بنجاح.

رابعاً، هناك مسؤولية على المجتمع الدولي، بما في ذلك الشركاء الإقليميين، في دعم البلدان العربية وهي تواصل مسيرة التحول، عن طريق توفير التمويل اللازم لها، وتيسير نفاذها إلى الأسواق، وتقديم المساعدة الفنية المطلوبة لكي تتمكن من إدارة الفترة الصعبة القادمة.

 

فعاليات خاصة بالمنطقة خلال اجتماعات الربيع

إلى جانب المناقشات مع وفود البلدان الأعضاء، شارك أعضاء الإدارة العليا للصندوق في منتديات إقليمية ودولية ركزت على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. والتقت السيدة لاغارد، مدير عام الصندوق، بوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من المنطقة، فكانت فرصة طيبة للاستماع إلى آرائهم وقضاياهم. وبالإضافة إلى ذلك، كان محور النقاش في اجتماع شراكة دوفيل الوزاري هو التحديات الاقتصادية التي تواجه بلدان التحول العربي حالياً. وقد عرضنا على الوزراء ضمن مذكرة مرجعية آخر تقييماتنا للاقتصاد الكلي في بلدان التحول العربي.

وشاركت السيدة نعمت شفيق، نائب المدير العام، في ندوة عن إصلاح الدعم من منظور الاقتصاد السياسي، تولت فيها قناة الجزيرة إدارة الحوار. وركزت الندوة على تجربة بلدان من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومناطق أخرى فيما يتعلق بإصلاح الإنفاق، ولا سيما الدعم، الذي يفتقر إلى الكفاءة والاستهداف ويتسم بارتفاعه إلى مستويات يتعذر الاستمرار في تحملها. وفي سياق الندوة، ناقش المتحدثون الذين ساهموا بدور رئيسي في إصلاح نظام الدعم في بلدانهم كيفية تصدي الحكومات لتحديات إلغاء الدعم المعمم للأسعار بالتدريج، واستحداث أشكال من الحماية الاجتماعية الموجهة للفقراء على نحو أفضل، كما ناقشوا الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التجارب للاستفادة منها في المنطقة.

وأخيرا، أعلنا صدور نسخة موجزة من تقريرنا نصف السنوي عن “آفاق الاقتصاد الإقليمي”. وفي سياق هذا الفعاليات، أتيحت لي الفرصة كي أعرض على الصحفيين وممثلي المنطقة آخر تقييماتنا للوضع الاقتصادي الراهن في المنطقة والآفاق المستقبلية المتوقعة لها، وأجيب عن كثير من الأسئلة حول مشاركة الصندوق في جهود بلدان التحول العربي ـ وحول التحديات التي تواجهها.

 

المساهمة المالية من الصندوق

نحن نريد تقديم العون لبلدان التحول العربي. وقد وافق الصندوق في مطلع الشهر الجاري على تقديم قرض بدون فوائد إلى  اليمن، وتجري المناقشات حالياً مع مصر حول إمكانية تقديم مساعدة مالية لها، ونواصل تقديم المساعدة الفنية اللازمة لليبيا، كما بدأ خبراء الصندوق جولة مناقشات أولية حول احتياجات التمويل وإمكانية تقديم الدعم في بضع حالات أخرى. ويظل الصندوق على استعداد لدعم البرامج التي تحافظ على استقرار الاقتصاد الكلي، وتشجع النمو الشامل لكل شرائح المجتمع، وتحظى بالتأييد السياسي اللازم على نطاق واسع، وتتضمن قدراً كافياً من التمويل الخارجي المقدم من الشركاء الإقليميين والدوليين.

ونحن على اقتناع تام بأن أي أجندة للإصلاح ينبغي أن يحددها البلد المعني وتكون ملكاً له. ويمكن أن يقدم الصندوق المشورة الفنية والدروس المستخلصة من تجارب مختلف البلدان الأعضاء، وينبغي أن نتأكد من أن التدابير المتخذة ضمن أي برنامج اقتصادي في بلد عضو هي التدابير المرجح أن تحقق أهدافها المعلنة. لكن من يتولون التنفيذ هم الأقدر على اتخاذ القرار في اختيار التدابير الملائمة على وجه التحديد. ولتحقيق هذا الهدف، يتعين التوصل إلى توافق سياسي يعزز الثقة ويكفل تنفيذ البرامج بنجاح.

نرحب بتعليقاتكم

*