الاستقرار المالي العالمي: ما الذي لم يتم إنجازه بعد؟

هوزيه فينيالزبقلم: هوزيه فينيالز

لا يزال التوصل إلى الاستقرار المالي العالمي مهمة محفوفة بالمخاطر. ويتضمن آخر عدد من تقرير الاستقرار المالي العالمي رسالتين أساسيتين: الأولى أن إجراءات السياسة الاقتصادية أثمرت نتائج إيجابية على الاستقرار المالي العالمي منذ تقريرنا الصادر في سبتمبر؛ والثانية أن الجهود الحالية لا تكفي لتحقيق الاستقرار الدائم في كل من أوروبا وبعض الاقتصادات المتقدمة الأخرى، ولا سيما الولايات المتحدة واليابان.

تم إنجاز الكثير

قطعت السياسة الاقتصادية خطوات مهمة وغير مسبوقة في الشهور القليلة الماضية لمواجهة الأزمة في منطقة اليورو. فعلى المستوى المحلى، يجري العمل على تعزيز السياسات الاقتصادية في إيطاليا وإسبانيا، وتم التوصل إلى اتفاق جديد بشأن اليونان، وتُواصل كل من آيرلندا والبرتغال التقدم في تنفيذ البرنامج الاقتصادي. وتجدر الإشارة إلى ما تحقق من دعم للسيولة المصرفية وتخفيف لضغوط التمويل بفضل الإجراءات الحاسمة التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي، بينما تعمل البنوك على تحسين أوضاعها الرأسمالية وفق إرشادات السلطة المصرفية الأوروبية. وأخيراً، تم اتخاذ خطوات لتعزيز الحوكمة الاقتصادية، وتشجيع الانضباط المالي، ودعم “حائط الصد المالى” الواقي على مستوى منطقة اليورو.

وقد جلبت هذه الإجراءات والسياسات شعوراً بالارتياح في الأسواق كانت الحاجة إليه شديدة منذ بلغت الأزمة ذروتها في العام الماضي.

لكن من السابق لأوانه القول بأننا خرجنا من الأزمة بالفعل، نظراً لأن الاستقرار الدائم ليس مضمونا بعد. وقد ذكرتنا الأحداث في الأسابيع القليلة الماضية بأن أي شعور سائد يمكن أن يتحول بسرعة ويجلب ضغوط التمويل السيادي من جديد، تاركاً عدداً كبيراً من الكيانات السيادية والنظم المصرفية محصوراً ضمن حلقة مفرغة.

وبالإضافة إلى ذلك، تظل الضغوط على البنوك الأوروبية نابعة من احتياجات تجديد الديون، وحالة النمو الضعيف، إلى جانب الحاجة لتعزيز الميزانيات العمومية عن طريق تقليصها على سبيل المثال لا الحصر. ومن المفيد إجراء بعض الخفض في نسب الرفع المالي ـ حين تقوم البنوك بزيادة رأس المال، وتخفيض الأنشطة الثانوية، والحد من الاعتماد على التمويل بالجملة كثمرة لازدياد قوة الميزانيات العمومية.

ولكن على غرار ما يحدث في “الاقتصاد المعتدل” (“Goldilocks”)، يتعين تحديد حجم هذا الخفض ودرجة سرعته وموضع تنفيذه تحديداً دقيقاً على المستوى الكلي ـ فلا يكون مفرطاً في الحجم أو السرعة أو مبالِغاً في التركيز على منطقة ما أو بلد بعينه.

وقد تمكنت السياسات المعمول بها حتى الآن من الحيلولة دون حدوث “ضائقة ائتمان” شاملة، ولكننا لا نزال نتوقع تقييداً شديداً للائتمان بحيث يتسبب في إعاقة النمو. وتشير تقديراتنا إلى أن البنوك الكبيرة التي يقع مقرها في الاتحاد الأوروبي يمكن أن تقلص ميزانياتها العمومية المجمعة بما يصل إلى 2.6 تريليون دولار أمريكي ـ أو حوالي 7% من مجموع أصولها ـ بحلول عام 2013، علما بأن ما يقرب من ربع هذا الانكماش يمكن أن يتسبب في خفض الإقراض. وعلى وجه الإجمال، تشير تقديراتنا إلى أن تخفيض نسب الرفع المالي يمكن أن تحد من عرض الائتمان في منطقة اليورو بحوالي 1.7% على مدار عامين.
أما في حالة عدم الوفاء بتعهدات السياسة الاقتصادية الراهنة وازدياد كثافة الضغوط المالية، فمن الممكن أن يلحق ضرر بالغ بأسعار الأصول وحجم الائتمان المتاح والنشاط الاقتصادي في أوروبا وغيرها من المناطق من جراء مخاطر التطورات السلبية غير المتوقعة التي تترتب على خفض نسب الرفع المالي بشكل متزامن وواسع النطاق. وفي هذا السيناريو، تشير تقديراتنا إلى أن بنوك الاتحاد الأوروبي الكبيرة يمكن أن تتخلص من أصول يبلغ مجموعها 3.8 تريليون دولار، أو 10%، من مجموع أصولها مع نهاية عام 2013. ومثل هذا التقليص لأصول البنوك الأوروبية يمكن أن يخفض حجم الائتمان المتاح في منطقة اليورو بحوالي 4.4%، كما أن إجمالي الناتج المحلي يمكن أن يهبط بعد عامين بنسبة تقرب من 1.4% مقارنة بالسيناريو الأساسي المتوقع.

وخارج منطقة اليورو، نجد أن الاقتصادات الصاعدة فى أوروبا هي المنطقة الأشد تأثراً بخفض نسب الرفع المالي. ومن غير المرجح أن تظل الأسواق الصاعدة الأخرى محصنة من الآثار. فرغم أنها تمتلك بشكل عام الكثير من حوائط الصد الوقائية، فإن مثل هذه الصدمة الخارجية يمكن أن تقترن بمواطن الضعف الداخلية فتتسبب في تأثير سلبي أكبر على الاستقرار العالمي.

وتمثل تحديات المالية العامة التي لم تُعالج بعد في الولايات المتحدة واليابان مخاطر كامنة تهدد الاستقرار العالمي. ولم ينته البلدان بعد من صياغة التوافق السياسي الضروري بشأن تخفيض العجز على المدى المتوسط. كذلك فإن الولايات المتحدة لا تزال مثقلة بأعباء المديونية المرتفعة في قطاع الأسر وكثرة المساكن الخاضعة لغلق الرهن.

كيف إذن نستطيع تحقيق الاستقرار المالي الدائم؟

في منطقة اليورو، يجب أن تتخذ السياسة الاقتصادية خطوات على عدة محاور:

  • للحيلولة دون تحقق مخاطر التطورات السلبية غير المتوقعة، ينبغي مواصلة جهود التصحيح على المستوى الوطني، وخاصة في البلدان الخاضعة لضغوط حالياً. وسيعمل التمويل الوقائي الذي تمت زيادته مؤخراً على دعم هذه الجهود الإصلاحية. وينبغي أيضاً أن تكون الآلية التي تمثل “حائط الصد” الواقي في منطقة اليورو قادرة على اكتساب حصص مباشرة في البنوك لكي تساعد في كسر حلقة التأثيرات السلبية المتبادلة بين الكيانات السيادية والبنوك.
  • ولضمان التخفيض المنظم لنسب الرفع المالي في البنوك، ينبغي أن تتولى السلطات المصرفية الأوروبية الإشراف الاحترازي الكلي الدقيق على خطط عمل البنوك، كما ينبغي بذل جهود أكبر في إعادة هيكلة البنوك التي تتوافر لها مقومات الاستمرار وتصفية البنوك الضعيفة.
  • وسعياً لتحقيق نمو أفضل وأكثر توازناً، ينبغي أن تقترن السياسات النقدية التوسعية بعملية على درجة كافية من التدرج لسحب الدعم المالي في البلدان غير الخاضعة لضغوط سوقية، وكذلك بسياسات هيكلية لرفع معدلات النمو الممكن.
  • ولتقديم رؤية تصوِّر “أوروبا في دور أكبر ومكانة أفضل”، ينبغي وضع خارطة طريق لاتحاد اقتصادي ونقدي أوروبي أكثر اندماجاً والالتزام بتنفيذها. ويشمل هذا هدفين رئيسيين: (1) إطار على مستوى أوروبا تقوم عليه الرقابة وتسوية الأوضاع المصرفية بالإضافة إلى تأمين الودائع، و (2) زيادة اقتسام المخاطر المالية على أساس مسبق، من خلال آلية مركزية للتمويل على سبيل المثال. وأنا مدرك تماماً أن هذا لن يكون سهلاً من المنظور السياسي، ولا قابلاً للتحقيق بشكل فوري. ولكن يتعين التوصل الآن إلى توافق في الآراء للمساهمة في استعادة الثقة.

أما خارج أوروبا فمن الضروري البدء على الفور بمعالجة تحديات المالية العامة متوسطة الأجل في الولايات المتحدة واليابان، على أن يكون ذلك مصحوباً بجهود أكبر لمعالجة مشكلة ديون القطاع العائلي في الولايات المتحدة والتعجيل بإصلاحات سوق الإسكان.

وينبغي ألا ينظر صناع السياسات في الأسواق الصاعدة إلى الاستقرار باعتباره أمراً مفروغاً منه. فنظراً للمخاطر التي تواجه الاقتصادات المتقدمة، قد يتطلب الأمر استخدام الحيز المالي المتاح لتخفيف أثر الصدمات الخارجية وتقلب التدفقات الرأسمالية. وينبغي معالجة مواطن الضعف الداخلية، كالتي ترتبط بالنمو الائتماني السريع والمستمر، لاكتساب صلابة أكبر في مواجهة الصدمات.

ولا توجد سياسة سهلة من بين هذه السياسات، كما أن بعضها صعب من الناحية السياسية. لكنني أعتقد أن تنفيذها يظل ممكناً. ودعونا لا نضيع هذه الفرصة. فيجب أن يتحرك صناع السياسات ورجال السياسة على الفور وعلى أساس من التعاون الوثيق للقضاء على الأزمة نهائياً ـ فيجب أن يكون التناول مختلفا هذه المرة.

نرحب بتعليقاتكم

*