نمو متواضع، ومخاطر مرتفعة، وطريق طويل في الفترة المقبلة

بقلم: أوليفييه بلانشار

“قطار الرعب” هو أفضل تشبيه لحالة الاقتصاد العالمي بتقلباته الحادة طوال الستة أشهر الماضية.

ففي الخريف الماضي، تحولت الأزمة الملتهبة إلى أزمة حادة، مُنذرةً بحَدَث جديد يضاهي انهيار “ليمان براذرز” ومهدِّدة بالقضاء على التعافي الاقتصادي. وبادر صناع السياسات باتخاذ إجراءات قوية لمواجهة الأزمة، وتولت حكومة جديدة في كل من إيطاليا وأسبانيا، واعتمد الاتحاد الأوروبي معاهدة صارمة جديدة لضبط الموازنة، وقام البنك المركزي الأوروبي بضخ السيولة التي كانت الحاجة إليها ملحة. ومنذ ذلك الحين، هدأت الأمور إلى حد ما، لكنه هدوء مشوب بالحذر. ويبدو أن الوضع يمكن أن ينتكس من جديد في أي لحظة.

وعلى هذا الأساس تتشكل ملامح التنبؤات التي قمنا بإعدادها في الصندوق. ووفقاً لهذه التنبؤات التي نشرها الصندوق في 17 إبريل الجاري، يُتوقع أن يسجل النمو معدلاً منخفضاً في البلدان المتقدمة، وخاصة في أوروبا. لكن مخاطر التطورات السلبية الغير المتوقعة تظل قائمة.

كوابح النمو

يقوم السيناريو الأساسي للتنبؤات على افتراض أنه سيتسنى تجنب اشتعال أزمة اقتصادية جديدة فى أوروبا، مع استمرار حالة عدم اليقين التى تخيم على الأجواء. ولكن حتى في هذه الحالة، فإن هذا السيناريو يقر بأنه لا تزال هناك عوائق قوية أمام النمو في البلدان المتقدمة.

فالتقشف المالي مطلوب وتنفيذه جارٍ، لكنه يشكل عبئاً على النمو. وتخفيض “الروافع المالية” أمر مطلوب أيضاً، لكنه يتسبب في تقييد شديد للائتمان المصرفى، وخاصة في أوروبا. وفي بلدان كثيرة، لا سيما الولايات المتحدة، تشكل الديون المرتفعة عبئا ثقيلاً على كاهل بعض الأسر، مما يتسبب في خفض الاستهلاك. ومن ناحية أخرى، تشكل مشكلات الرهن العقارى عبئاً على أسعار المساكن والاستثمارات السكنية.

وتنعكس هذه العوامل الخافضة للنمو في تنبؤاتنا الاقتصادية. فبالنسبة للبلدان المتقدمة ككل، نتنبأ بنمو قدره 1.4% في عام 2012، و 2% في عام 2013. وفي حالة الولايات المتحدة، يبلغ هذا المعدل 2.1% و 2.4%. أما في منطقة اليورو، فيبلغ النمو المتوقع -0.3% و 0.9% على التوالى، حيث يعكس الرقم السالب لعام 2012 معدلات النمو السالبة المتوقعة لبلدان مثل إيطاليا وإسبانيا. وتشير تنبؤاتنا إلى تحقيق نمو موجب في ألمانيا وفرنسا، وإن كان بمعدلات بالغة الانخفاض.

وبالنظر إلى الاقتصادات الصاعدة والنامية، تشير تنبؤاتنا إلى استمرار النمو القوي، وإن كان أقل بعض الشيء من معدله السابق. وتتمثل أهم التحديات الحالية أمام الكثير من البلدان فى انخفاض الطلب الخارجى على الصادرات من قِبل البلدان المتقدمة، وتقلب في أسعار السلع الأولية، وتذبذب كبير في تدفقات رأس المال.

وتعكس التنبؤات اعتقادنا بأن معظم الاقتصادات الصاعدة والنامية ستتمكن من التعامل مع هذه التحديات باستخدام الحيز النقدي والمالي الذي لا يزال متاحاً لها، بالإضافة إلى التدابير الاحترازية الكلية الملائمة لمواجهة تقلب التدفقات الرأسمالية أو ارتفاع نمو الائتمان المحلي. وفي هذا الصدد، تشير تنبؤاتنا للنمو في عام 2012 إلى تحقيق 8.2% في الصين و 6.9% في الهند و 3% في البرازيل ـ وهي معدلات تمثل تغيراً لا يذكر عما كانت عليه في يناير الماضي ـ و 4% في روسيا،  بارتفاع طفيف عن المعدل السابق. أما في إفريقيا جنوب الصحراء فتشير تنبؤاتنا إلى استمرار النمو القوي بمعدل 5.4%.

وبوضع أجزاء هذه الصورة جنباً إلى جنب، نستخلص من هذه التنبؤات نمواً عالمياً قدره 3.5% في عام 2012، يرتفع إلى 4.1% في عام 2013. ويمثل هذا المعدل ارتفاعاً بنسبة 0.2% تقريباً عما ورد في تنبؤاتنا الصادرة في يناير الماضي، ولكنه أدنى بنسبة 0.5% مقارنة بتنبؤات سبتمبر.

فما هي المخاطر الراهنة إذن؟

لا شك أن هناك خطراً تشكله التوترات الجغرافية-السياسية التي تؤثر على سوق النفط. غير أن الخطر الأهم هو احتمال حدوث أزمة حادة أخرى في أوروبا. وسيكون بناء “الجدران المالية الواقية” المتوخاة تقدماً كبيراً اذا تم استكماله. غير أن هذه الجدران الواقية لا تكفي وحدها لحل قضايا المالية العامة والقدرة التنافسية والنمو التي تواجه بعض هذه البلدان. ولا يزال حدوث تطورات سلبية على الصعيد الاقتصادي الكلي أو السياسي يحمل معه مخاطر نشوء ديناميكية من النوع الذي شهدناه في الخريف الماضي.

على صعيد السياسة الاقتصادية:

تركز كثير من المناقشات المعنية بالسياسة الاقتصادية على الوسيلة المثلى لتحقيق التوازن بين الآثار السلبية قصيرة الأجل التي يسببها التقشف المالي وخفض قروض التمويل المصرفية من ناحية، والآثار المواتية التي تحققها هذه الإجراءات على المدى الطويل من ناحية أخرى.

وفي حالة السياسة المالية، تتشابك الأمور تحت تأثير ضغوط الأسواق التي تدفع نحو تعجيل التقشف المالي، كما تزداد تشابكاً مع موقف الأسواق الذي يبدو متسما بشيء من “الشيزوفرنيا” نظراً لكونها تطلب التقشف المالي لكنها تقوم بردود أفعال سلبية حين يؤدي التقشف إلى تراجع النمو.

وتظل الاستراتيجية الصحيحة دون تغيير عن السابق. فبينما يتعين إجراء قدر من التصحيح الفوري لكسب المصداقية، ينبغي السعي بصورة أساسية وراء التعهدات الموثوقة طويلة الأجل ـ من خلال مزيج من القرارات التي تخفض الاتجاه العام للإنفاق وتنشئ مؤسسات وقواعد مالية تكفل تخفيض الإنفاق والعجز تلقائياً مع الوقت. غير أن التقدم على هذا المسار ليس كافياً حتى الآن، وخاصة في الولايات المتحدة واليابان.

وفيما يتصل بخفض قروض التمويل المصرفية، يتمثل التحدي الرئيسي في التأكد من أن خفض هذه القروض لن يتسبب فى ضائقة ائتمانية، سواء في الداخل أو الخارج. وينبغي أن تظل إعادة الرسملة الجزئية للبنوك باستخدام الموارد العامة بنداً على جدول الأعمال. وإذا كانت إعادة الرسملة على هذا النحو ستؤدي إلى زيادة الائتمان والنشاط الاقتصادي، فسوف تتمكن من تعويض تكاليفها بسهولة، أكثر مما تستطيع معظم تدابير المالية العامة الأخرى.

وبالنسبة لسياسات تخفيض المخاطر، من الواضح أن تركيزها منصب على أوروبا. وتمثل التدابير المتخدة لمواجهة أزمة الخريف الماضى تقدماً مهماً، غير أنه يتعين اتخاذ تدابير أخرى لتقليل الروابط بين الكيانات السيادية والبنوك، بدءاً باستحداث نظم للتأمين على الودائع وانتهاءاً بالتنظيم والرقابة على أساس مشترك. وبعد أن تم اعتماد معاهدة ضبط الموازنة، ينبغي لبلدان منطقة اليورو أن تعمل أيضاً على بحث إمكانية إصدار سندات سيادية مشتركة.

وأخيراً، بالنظر مجدداً إلى المشهد ككل، ربما نتبين أن أهم الأولويات، وإن كانت الأصعب في التنفيذ، هي زيادة النمو وتخفيض البطالة على أساس مستدام في الاقتصادات المتقدمة، وخاصة في أوروبا. فالنمو المنخفض لا يساهم في تقليص تنبؤات السيناريو الأساسي فحسب، بل إنه يؤدي أيضاً إلى زيادة صعوبة التصحيح المالي وتكثيف المخاطر التي يتعرض لها طوال فترة تنفيذه.

ومن البنود التي يتعين إبرازها على جدول الأعمال مسألة البحث عن الإصلاحات الهيكلية والمالية التي تساعد على المدى الطويل دون تأثير على الطلب الكلى فى المدى القصير. فربما تكون هذه الإصلاحات هي التي تحمل مفتاح الخروج الناجح والدائم من دائرة الأزمة.

نرحب بتعليقاتكم

*